صفي الرحمان مباركفوري

247

الرحيق المختوم

وكان سهل بن حنيف أحد الرماة الأبطال ، بايع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الموت ، ثم قام بدور فعال في ذود المشركين . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يباشر الرماية بنفسه ، فعن قتادة بن النعمان أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها « 1 » ، فأخذها قتادة بن النعمان ، فكانت عنده ، وأصيبت يومئذ عينه حتى وقعت على وجنته ، فردها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده ، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما . وقاتل عبد الرحمن بن عوف حتى أصيب فوه يومئذ فهتم ، وجرح عشرين جراحة أو أكثر ، أصابه بعضها في رجله فعرج . وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته صلى اللّه عليه وسلم حتى أنقاه . فقال : مجه . فقال : واللّه لا أمجه أبدا . ثم أدبر يقاتل ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا » فقتل شهيدا . وقاتلت أم عمارة ، فاعترضت لابن قمئة في أناس من المسلمين ، فضربها ابن قمئة على عاتقها ضربة تركت جرحا أجوف ، وضربت هي ابن قمئة عدة ضربات بسيفها ، لكن كانت عليه درعان فنجا ، وبقيت أم عمارة تقاتل حتى أصابها اثنا عشر جرحا . وقاتل مصعب بن عمير بضراوة بالغة ، يدافع عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم هجوم ابن قمئة وأصحابه ، وكان اللواء بيده ، فضربوه على يده اليمنى حتى قطعت ، فأخذ اللواء بيده اليسرى ، وصمد في وجوه الكفار حتى قطعت يده اليسرى ، ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى قتل ، وكان الذي قتله هو ابن قمئة ، وهو يظنه رسول اللّه - لشبهه به - فانصرف ابن قمئة إلى المشركين ، وصاح : إن محمدا قد قتل « 2 » . إشاعة مقتل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأثره على المعركة ولم يمض على هذا الصياح دقائق ، حتى شاع خبر مقتل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في المشركين والمسلمين ، وهذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين ، الذين لم يكونوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وانهارت معنوياتهم ، حتى وقع داخل صفوفهم ارتباك شديد ، وعمتها الفوضى والاضطراب ، إلا أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من

--> ( 1 ) سيتها : ما عطف من طرفيها . ( 2 ) انظر ابن هشام 2 / 73 ، 80 ، 81 ، 82 ، 83 ، وزاد المعاد 2 / 97 .